رئيس مجلس الإدارة
عبدالحفيظ عمار
رئيس التحرير
محمد صلاح

د. على عبد النبى يكتب :_هل وجود المحطات النووية تهديد للبشرية ولكوكب الأرض ؟

عالم الطاقة

 


الطاقة ومصادرها تلعب دوراً فعالاً وحيوياً فى حياة البشرية. وبفضل استخدام مصادر الطاقة المختلفة أصبحت الحياة في القرن الحادي والعشرين أفضل بكثير من أي وقت مضى في التاريخ. والطاقة ومصادرها هى مستقبل البشرية فى القضاء على الفقر وزيادة دخل الفرد لكى يسعد بعيشة فيها بعض من الرفاهية. لازال حتى الآن يوجد أكثر من مليار من البشر "حافي القدمين"، ولازال يوجد أكثر من 2 مليار من البشر لا يمتلكوا حتى السلع الأساسية مثل الغسالة والثلاجة.
استخدام الطاقة فى مصادرها المختلفة أدى إلى القضاء على الأوبئة والأمراض وتحسنت الصحة العامة، والذى بدوره أدى إلى زيادة الأعمار بين البشر وإلى مستويات معيشة أعلى. ومع ارتفاع مستوى المعيشة للأفراد تنخفض معها معدلات المواليد، وبالتالى سوف ينعدم الشعور بالقلق من زيادة عدد السكان، طالما انتقلت الدولة من بلد نام إلى بلد غنى. والتوقعات تشير إلى زيادة الطلب على الطاقة العالمى بنسبة 41% خلال الثلاثين سنة القادمة.
صحيح أن استخدام الوقود الأحفورى (بترول وغاز طبيعى وفحم) يعتبر أحد مقومات حياتنا العصرية، لكنه فى نفس الوقت يسبب تهديداً لحياتنا. 
أحد المشاكل التي تعتبر تهديداً للبشرية ولكوكب الأرض، هي ظاهرة تآكل طبقة الأوزون والاحتباس الحرارى.
غاز الأوزون يوجد بكميات قليلة جدا في الهواء، وبالرغم من ندرته فإننا نجد أن طبقة الأوزون المحيطة بكوكب الأرض، هي الدرع الواقى للكرة الأرضية وما عليها من كائنات، من تهديد الأشعة الفوق بنفسجية الضارة والقادمة من الشمس. فغاز الأوزون يسمح بمرور الأشعة الفوق بنفسجية ذات الطول الموجي الطويل إلى الأرض وهى غير ضارة. وفى نفس الوقت فإن "غاز الأوزون" يمتص الأشعة الفوق بنفسجية ذات الاطوال الموجية المتوسطة والقصيرة، وهذه الأشعة ضارة وتشكل الخطر الأكبر على البشرية، فهى تتسبب في العديد من الأمراض، مثل: سرطان الجلد، والصداع، وضيق في التنفس وهى أحد أعراض اضطرابات الجهاز التنفسى، واضطرابات في الجهاز العصبي، وضرر في العينين مثل الإصابة بالمياه البيضاء أو المياه الزرقاء. كما تؤدى إلى إحداث تغيرات كبيرة في مناخ الأرض وارتفاع درجة حرارته وتسبب تفاقم ظاهرة "الاحتباس الحرارى". استخدام مركبات الكلوروفلوروكربونات والهالوجين هي التي تتسبب في تآكل طبقة الأوزون. غاز "كلوروفلوروكربون" يستخدم في الثلاجات والمكيفات وبخاخات المبيدات الحشرية ومزيلات العرق.  
هناك غازات مثل "ثانى أكسيد الكربون، وبخار الماء، والميثان، وأكسيد النيتروز، والأوزون" يطلق عليها غازات دفيئة، هذه الغازات لها خاصية امتصاص أكثر من 85% من حرارة أشعة الشمس المنعكسة من سطح الأرض، ولا تتركها تنعكس من سطح الأرض عائدة إلى الفضاء الخارجي، فتبرد الأرض، وبالتالي فالحرارة تعود مرة أخرى إلى سطح الأرض، مثل الصوب الزجاجية، ونتيجة لذلك يحدث ما يسمى بظاهرة "الاحتباس الحرارى"، والذى بسببه ترتفع درجات حرارة الطبقة السطحية من الغلاف الجوى للأرض وبشكل تدريجى. وقد ارتفعت درجة حرارة كوكب الأرض في الفترة ما بين عام 1880 وعام 2012 بمقدار 0.9 درجة مئوية. 
حرق الوقود الأحفورى في مختلف المجالات هو السبب الرئيسى في انبعاثات غاز ثانى أكسيد الكربون في الغلاف الجوى، حيث يتم احراق مليارات الأطنان من الوقود الأحفورى، وهى تقدر بحوالي 20 مليار طن سنوياً. والتوقعات تشير إلى أن الطلب في ازدياد على الوقود الأحفورى، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه وبدون استخدام تكنولوجيات جديدة منخفضة الكربون، فمن المنتظر أن ترتفع درجة حرارة الأرض بأكثر من 4 درجات مئوية بنهاية هذا القرن، وسوف يترتب على ذلك نتائج كارثية على الكرة الأرضية وما عليها من كائنات.
مع بداية الثورة الصناعة ومع بداية استخدام الوقود الأحفورى، بدأت نسبة ثانى أكسيد الكربون في الغلاف الجوى تزداد، فقبل الثورة الصناعية كانت نسبة ثانى أكسيد الكربون في الغلاف الجوى للأرض حوالى 275 جزء في المليون، والإحصاءات توضح أن هذه النسبة وصلت الآن إلى 400 جزء بالمليون.   
زيادة درجات حرارة الأرض نتيجة الاحتباس الحرارى، سيؤدى إلى دمار شامل لجميع الأنظمة البيئية التي لا تستطيع تحمل درجات الحرارة المرتفعة. وعلى سبيل المثال، فسوف تؤدى إلى ارتفاع منسوب سطح البحار عدة أمتار نتيجة ذوبان الجليد في القطب الشمالى والجنوبى وجليد قمم الجبال، والذى بدوره سوف يتسبب في غرق مدن ساحلية. وسوف تؤدى إلى زيادة حدة الأحداث المناخية الشديدة، واختلال في فصول السنة وفى مواعيد سقوط الأمطار وكميتها، مع حدوث فيضانات مدمرة. وسوف تؤدى إلى ارتفاع شديد في درجات حرارة فصل الصيف، والذى بدوره سيؤدى إلى زيادة التصحر نتيجة دمار الكثير من الأراضى الزراعية والغابات المطيرة. كما سيؤدى إلى انقراض أعداد كبيرة من الحيوانات. 
ومع زيادة نسبة الكبريت في الجو الناتج من حرق الوقود الأحفورى، والذى يمثل 90% من الكبريت الموجود في الجو، فسوف تزداد كميات الأمطار الحمضية. تفاعل الغازات الموجودة في الجو والمحتوية على الكبريت وثانى أكسيد الكربون مع الأكسجين وفى وجود الأشعة الفوق بنفسجية يتكون ثانى وثالث أكسيد الكبريت، وفى وجود بخار الماء يتكون حمض الكبريتيك وهو حمض قوى جداً، وقد يتحد حمض الكبريتيك مع بعض المواد القلوية مثل النشادر وينتج كبريتات النشادر. هذه الاحماض تسقط مع المطر، وهذه الامطار ستؤدى إلى زيادة نسبة الحموضة في مياه المسطحات المائية والأنهار وتصبح المياه سامة للأسماك والأحياء المائية الأخرى. وستؤدى إلى زيادة نسبة الحموضة في تربة الأراضى الزراعية والغابات وستتضرر أوراق الأشجار والزراعات والنبات، وسيؤدى إلى حرقها وهلاكها. الأمطار الحمضية سوف تذيب الفلزات الثقيلة الموجودة في التربة، مثل الألومنيوم والرصاص والزئبق، وهى فلزات سامة، وسوف تتسمم مياه الشرب وتتسمم الكائنات الحية، وتتسبب في تدمير الكبد والكلى. 
خلال العقد الماضي، يُقدر أن تلوث الهواء الخارجي، والناجم عن حرق الوقود الأحفوري، قد تسبب في وفاة أكثر من مليون شخص سنوياً في جميع أنحاء العالم. 
إذا كان الهدف هو تقليل معاناة البشرية وله الأولوية القصوى بالنسبة لنا، فيجب علينا تقليل التأثير الضار للبيئة في المستقبل، إلى الحد الأدنى، عن طريق اختيار تكنولوجيات منخفضة الكربون ونظيفة. مؤتمر باريس 2015، حدد أن ارتفاع درجة حرارة الأرض يجب ألا تزيد عن 2 درجة مئوية. 
نتكلم الآن عن الطاقة النووية، وهى البديل الوحيد للطاقة الأحفورية، لأنها طاقة مستمرة وتستطيع الوفاء بمتطلبات الحمل الأساسى للشبكة. لأن الطاقة المتجددة والمتمثلة فى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، تعتبر طاقة مكملة وليست بديلة، لأنها طاقة متقطعة، ولكى تصبح طاقة بديلة فهى فى احتياج لوسائل تخزين ضخمة وغالية الثمن، وينعكس ذلك على ارتفاع سعر الكيلو وات ساعة، وهو ما تواجهه الآن دولة ألمانيا، بعد قرارها بالتحول التدريجى للطاقة المتجددة، والتخلص التدريجى من الطاقة النووية، وأصبح الأن سعر الكهرباء فى ألمانيا هو ثانى أعلى سعر على مستوى دول أوروبا، بل وتعانى ألمانيا من تلوث الهواء. وعلى العكس فقد أصبح سعر الكهرباء فى فرنسا هو الأرخص على مستوى دول أوروبا، وذلك بفضل اعتمادها على الطاقة النووية فى توليد الكهرباء، فالطاقة النووية تمثل 72% من كهرباء فرنسا، كما أن فرنسا هى أقل دولة فى أوربا من ناحية تلوث الهواء. 
إذا تكلمنا عن الطاقة النووية فنستطيع أن نقول، أن القنابل الذرية والقنابل الهيدروجينية تنفجر، وهى مصممة لهذا الغرض، وهذه القنابل تستطيع تدمير مدن بأكملها. أما المحطات النووية، فلا يمكن أن تنفجر مثل القنابل النووية، كما أنها لم تسهم في انتشار الأسلحة النووية، وذلك بفضل الضوابط الدولية القوية. صحيح أن أمريكا وروسيا وفرنسا وإنجلترا والصين والهند وباكستان تمتلك ترسانة نووية وتمتلك محطات نووية، لكن كوريا الشمالية وإسرائيل تمتلك ترسانة نووية ولا تمتلك محطات نووية، وهناك 24 دولة تمتلك محطات نووية ولكن ليس لديها أسلحة نووية. 
لا تنتج المحطات النووية تقريباً أي انبعاثات من الغازات الدفيئة أو ملوثات الهواء أثناء تشغيلها، كما أنه خلال دورة حياتها بأكملها تكون مستويات انبعاثات الغازات الدفيئة منخفضة للغاية. وتساهم المحطات النووية بشكل كبير في تلبية متطلبات الطاقة المتزايدة لعدد سكان العالم المتزايد ودعم التنمية المستدامة العالمية في نفس الوقت. ومن خلال استخدام المحطات النووية فمن المتوقع أن تخفف من عبء تغير المناخ بنسبة تتراوح بين 16% إلى 48% خلال العقود القليلة القادمة.
هناك رهبة غير منطقية بين الجمهور من المحطات النووية، فمنذ بداية السبعينات، عندما بدأت منظمة السلام الأخضر المناهضة للطاقة النووية فى الضغط على الأوتار النفسية للناس، وأصبحت أحد الأسباب الرئيسية فى بث ثقافة الخوف بين قيادات الدول، فقد أدى ذلك إلى اقتناع قادة إيطاليا وألمانيا فى التخلص التدريجى من المحطات النووية. وعلى المستوى الشعبي فقد حظيت الحوادث النووية بتغطية إعلامية ضخمة، وأصبحت حكاياتها تثير الرهبة، فهى ترجع بنا بالذاكرة إلى هيروشيما وناجازاكى، ويصبح التحدث عن الإشعاع ينشط عقلية الخوف والرعب. 
لكن كيف نخاف من الاشعاع ونحن نعيش فى بيئة تحيطنا من جميع الجهات بالإشعاع. ولك أن تعرف أن الجرعة الإشعاعية التى يحتمل أن تسبب السرطان مقدارها 10 آلاف مللى ريم (10 ريم)، وهذه الجرعة حدثت مرة واحدة فى كارثة محطة "تشرنوبيل". ولك أن تعرف أنك محاط من جميع الجهات بجرعات إشعاعية من الطبيعة تجعلك تتعرض لجرعة مقدارها 240 مللى ريم سنويا، وأن التشخيص الطبى بالأشعة يجعلك تتعرض لجرعة مقدارها 40 مللى ريم فى المرة الواحدة، وأن الأكل والشرب يجعلك تتعرض لجرعة مقدارها 30 مللى ريم سنويا. وأخيرا نود أن نطمئن المقيمين الدائمين بجوار محطة نووية بأن الجرعة السنوية هى 0.02 مللى ريم، فهل هذا يدعونا أن نخاف من تشغيل المحطات النووية ؟.      
الحقيقة هي أن المحطات النووية هي أكثر محطات توليد الكهرباء أماناً على البشرية على الإطلاق. ولكى نكون منصفين، ونعطى كل ذى حق حقه، وحتى تكون الصورة واضحة أمامكم وضوح الشمس فى كبد النهار، فيجب أن لا نغفل تقييم حوادث محطات الطاقة النووية بالنسبة للتكنولوجيات المختلفة المستخدمة فى توليد الكهرباء.
هناك ثلاث حوادث نووية شهيرة، وهذه الحوادث كانت خلال فترة 60 عاماً منذ بداية الاعتماد على المحطات النووية لتوليد الكهرباء وحتى الآن، وأثارت هذه الحوادث الثلاث حفيظة الناس، كما أنها أعطت إنذاراً عاماً.
أولاً، حادثة محطة "ثرى مايل آيلاند" فى أمريكا عام 1979، والتي لم تتسبب فى وفاة أحد من جرائها (من الإشعاع). لكن فى نفس عام الحادثة مات 2515 شخصاً نتيجة حوادث الطائرات المدنية.
ثانياً، كارثة محطة "تشرنوبيل" فى أوكرانيا عام 1986، كانت المصدر الوحيد للوفيات في العالم بسبب تداعيات الإشعاع في محطة طاقة نووية، فقد مات شخصان في ليلة الكارثة، ووصل إجمالى عدد الوفيات خلال بضعة أيام من وقوع الكارثة إلى 30 شخصاً. وعلى مدار العشرين سنة التي تلت الكارثة توفى 78 شخصاً نتيجة السرطان. فى حين أنه فى نفس عام الكارثة مات 1763 شخصاً نتيجة حوادث الطائرات المدنية.
ثالثاً، كارثة محطة "فوكوشيما" فى اليابان عام 2011، والتي لم تتسبب فى وفاة أحد من جرائها (من الإشعاع). لكن فى نفس عام الكارثة مات 828 شخصاً نتيجة حوادث الطائرات المدنية.
تمت المقارنة خلال السطور السابقة بين حوادث المحطات النووية وحوادث الطائرات المدنية. لكن يجب علينا أن لا نغفل حوادث التكنولوجيات الأخرى، وعلى سبيل المثال لا الحصر: 
عام 1984 كانت كارثة بوبال، حدثت في مدينة بوبال في الهند، نتيجة انفجار في مصنع المبيدات لشركة يونيون كاربايد. بلغت حصيلة الوفيات الفورية 2259 شخصاً، ثم حصول 3787 حالة وفاة خلال بضعة أيام.
عام 1975 انهار سد "بينكيو" فى الصين، وتسبب فى مقتل 26 ألف شخص، كما تسبب فى مقتل 145 ألف شخص نتيجة المجاعة والأوبئة التى أصابت السكان، وخلّف ورائه 11 مليون مشرّد.
عام 1979 انهار سد "ماتشو" فى الهند، وتسبب فى مقتل أكثر من 20 ألف شخص.
وبهذا القدر أكتفى، وكنت أود أن أعطى أمثلة أكثر عن الحوادث التى حدثت للبشرية من جراء استخدامها للتكنولوجيات المختلفة، والتى من خلال تحليلها نستطيع الوصول إلى الحقيقة الآتية: المحطات النووية "آمنة ونظيفة"، كما أن سعر الطاقة الكهربائية المولدة منها تنافس أسعار محطات الغاز والفحم.
وفى نهاية المقال نستطيع أن نقول: المحطات النووية لا تسبب تهديداً للبشرية ولا لكوكب الأرض.
أشكركم، وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.


تم نسخ الرابط
ads